مصر

قصة الجمعية السرية التى تحرك «الإخوان»


انكببت فى فترة من حياتى على القراءة عن الماسونية، وكان مما قرأته أن الأفراد العاديين للماسون لا يعرفون الأسرار العظمى لتنظيمهم العالمى، تلك الأسرار تكون مخفية إلا على الذين يؤتمنون على الحفاظ على سريتها، وتكون هى الهيكل الذى يحفظ كيان الماسونية، وعند بحثى فى الماسونية استلفت نظرى أن التنظيم الماسونى يشبه من حيث البناء التنظيمى جماعة الإخوان، حتى درجات الانتماء للجماعة، وطريقة البيعة وأسلوبها وعباراتها وجدتها واحدة فى التنظيمين!من وقتها بت أظن أن مسألة ماسونية تنظيم الإخوان تحتاج إلى بعض التفصيل، ومن ضمن هذا التفصيل، أن هناك فارقًا بين ماسونية التنظيم الإخوانى وماسونية أفراد الإخوان أنفسهم، فليس بالضرورة أن يكون أفراد الإخوان ماسونيين، ولكنهم فى ذات الوقت ينتمون- علموا أم جهلوا- إلى تنظيم ماسونى يعمل على تحقيق أهداف الماسونية العالمية، ولكن ما هو التنظيم الماسونى العالمى وما هى أهدافه؟ثم ما هى علاقة جماعة الإخوان بالماسونية؟ وفى أى شىء بالضبط يتشابه الطرفان؟ وهل الجماعة فرع للتنظيم العالمى داخل مصر؟ وهل كبار التنظيم، مثل حسن الهضيبى وسيد قطب، كانوا من الماسونيين كما شهد الشيخ محمد الغزالى؟!ندخل إلى هذا العالم السرى المخيف خطوة خطوة، ونبدأ الخطوة الأولى بما وضعته فى كتابى «سر المعبد»، بجزءيه الأول والثانى، وقد وضعت معظم الأدلة والقرائن التى توافرت لدى فى الجزء الثانى على وجه الخصوص، خاصة ذلك التدليس الذى مارسه علينا حسن البنا، حينما أشار فى مذكراته إلى أنه أخذ مبلغ الخمسمائة جنيه التى بدأ بها تنظيمه من البارون دى بنوا، رئيس شركة قناة السويس، وهو اسم مخترع من حسن البنا، لأن رئيس الشركة وقتها ولمدة عشرين عامًا بعد ذلك هو الماركيز لويس أنطوان، رئيس المحفل الماسونى فى باريس، أما البارون دى بنوا هذا فلا وجود له، وقد طلبت فى «سر المعبد» أن يقوم الباحثون بالدخول إلى موقع شركة قناة السويس ليعرفوا اسم رئيس الشركة آنذاك، ثم فليبحثوا عن تاريخ هذا الرجل ليعرفوا حقيقته، وفوق ذلك قدمت فى الجزء الثانى عشرات الأدلة الموثقة والقرائن المنطقية، وكلها تدل على اختراق الماسون جماعة الإخوان، أو بالأحرى على ماسونية التنظيم منذ نشأته.والحقيقة أن معلوماتى فى هذا الشأن لم تكن وليدة شك أو تخمين، لكنها كانت قد توافرت لى من خلال شهادات موثقة لبعض كبار الإخوان، فضلًا عن أدلة أشرت لها فى كتبى، لكن هناك أشياء ينبغى أن تكون تحت بساط البحث، ومن هذه الأشياء ذلك التشابه الغريب بين كل الجمعيات السرية فى العالم، نعم هناك صلة نسب بين تلك الجمعيات، طريقتها واحدة حتى لو اختلفت الأفكار والتوجهات، ولا تقوم جمعية سرية إلا لأنها تؤمن بأنها مختلفة ومتميزة عن بقية مجتمعها، أو أنها مختلفة عن العالم كله، ولا تقوم جمعية سرية إلا لتُعدّ نفسها ليوم مشهود تكون فيه فى منتهى الجاهزية لفرض أفكارها على العالم، والماسونية من هذه الجمعيات، وكذلك الإخوان، أما الماسونية فقد كانت لها هيمنة وتأثير على مجتمعاتنا فى بدايات القرن العشرين إلى منتصفه، ولعل مما لا جدال فيه أن الماسون هم الذين أقاموا أمريكا وأنشأوا دولتها، هذه حقيقة يعرفها كل العالم، وما أمريكا إلا قارة ماسونية.لكن، ما الماسونية وما تاريخها؟يجد الباحث أن تاريخ الماسونية يكتنفه الغموض، وهى تـُعرف بجمعية «البنائين»، أى المهندسين، وكانت عضويتها مقصورة على البنائين والرسامين والمثالين، وانضم إلى هذه الجمعية مجموعة من عظماء العالم فى هذه الفنون الذين تمكنوا من إقامة البنايات الفخمة فى جهات متعددة من العالم، وحدث أن تهاوت فنون البناء فى العالم بسبب الحروب، وانسحب البناءون الكبار من عضوية الجمعية فكادت تتلاشى، وتوقف كثير من المحافل الماسونية فى كثير من دول العالم حتى غدت أثرًا بعد عين، فارتأى محفل «مارى بولس» بلندن أن يسمح بالعضوية لغير البنائين بشرط موافقة الأعضاء على ذلك وكان ذلك عام ١٧١٥ ميلادية.ولأن للماسونية أهدافًا سرية، فإنها تضع أسرارها هذه فى جوف حصن من الرموز بحيث لا يستطيع أحد الوصول إليها، وقد يظن المستمع للوهلة الأولى أننا نتحدث عن شىء أسطورى لا وجود له فى الواقع، لكنه واقع، وأظن أن جمهرة لا يستهان بها من قادة العالم يتبعون الماسونية ولهم درجاتهم فى تلك الجمعية السرية الرهيبة، والهدف المعلن للماسونية هو توحيد العالم كله تحت راية واحدة هى رايتهم، ولكن هدفهم الحقيقى هو تحريف مسار الأديان، لتكون سببًا من أسباب الحروب تمهيدًا لإنهاء الأديان السماوية من الوجود وأولها بطبيعة الحال الإسلام.والماسونية ليست جمعية محلية، لكنها جمعية دولية، كل دولة فى العالم فيها محفل رئيسى يسمى المحفل الأعظم، وتوجد فى الدولة الواحدة عدة محافل، وكان مقر المحفل الأعظم للعالم كله فى لندن، ثم أصبح الآن فى واشنطن، والماسونية منتشرة فى العالم انتشارًا يحسدها عليه أعظم الأديان، والماسون فى سبيل تحقيق هدفهم يقومون بتجنيد الأفراد القادرين على تحقيق غاياتهم من كل الأديان والأجناس والمِلل، إلا أن الماسونية لا تقبل عضوية النساء، وهم ينادون على بعض بلقب «أخ»، ولعل هذا وغيره ما فتح الحديث عن أوجه تشابه الماسونية مع أخوية جماعة الإخوان.وأظنك لا تعرف أننى عندما تحدثت عن أوجه التشابه بين الماسونية والإخوان نظر لى كثيرٌ من المثقفين شذرًا وهم يتأسفون على عقل هذا الرجل الذى تاه فى غيابات سحيقة، قال بعضهم: ما الذى تملكه أيها الإخوانى السابق لكى تقطع بهذا التشابه؟ وهل حين دخلت جماعة الإخوان لم تكن تعلم أن لها صلة قربى بالماسونية؟يا سادة يا أكابر المثقفين أكاد أقسم لكم إن معظم أعضاء جماعة الإخوان لا يعرفون تلك الصلة، لكنهم يساقون إليها، أما الرعاة فهم بضعة نفر لديهم صندوق الأسرار ووثائق النسب ومفاتيح الألغاز، ولكن لنضع الآن نقطة كى نبدأ من أول السطر، وقبلها نقول ما أوجه التشابه أو القربى والنسب والمصاهرة بينهما. هناك قضية منطقية لها عدة فروض، تقول هذه القضية إن الحلم الماسونى الأمريكى الذى يعيش حكام أمريكا من أجله هو أن تصبح بلادهم إمبراطورية لم ينجب التاريخ مثلها، وكانت أجهزة المخابرات الأمريكية والغربية تحت سيطرة الماسونية العالمية، وتدار من خلالها، ليست أجهزة المخابرات فقط، بل إن أمريكا كلها تدار من خلال الماسون، لكن يجب أن ترتبط الخيوط لنفهم ونفك الرموز والألغاز، لذلك يجب أن نعود لفكرة النظام السرى فى جماعة الإخوان وطرق أخذ البيعة له، ولنا أن نعرف ذلك من مذكرات رجل كان مقربًا من حسن البنا، سكرتيره، ومسئول المعلومات فى التنظيم، وهو الأخ محمود عساف، الذى أخرجت له المطابع كتابه الشهير «مع الشهيد حسن البنا»، فإذا قرأته ستقع عيناك على صفحات من الكتاب يقول فيها عساف: «فى يوم من أيام سنة ١٩٤٤ دعيت أنا والمرحوم الدكتور عبدالعزيز كامل لكى نؤدى بيعة النظام الخاص، ذهبنا فى بيت فى حارة الصليبة، دخلنا غرفة معتمة يجلس فيها شخص غير واضح المعالم يبدو أن صوته معروف وهو صوت صالح عشماوى، وأمامه منضدة منخفضة الأرجل، وهو جالس أمامها متربعًا، وعلى المنضدة مصحف ومسدس، وطلب من كل منا أن يضع يده اليمنى على المصحف والمسدس ويؤدى البيعة بالطاعة للنظام الخاص والعمل على نصرة الدعوة الإسلامية، كان هذا موقفًا عجيبًا يبعث على الرهبة، وخرجنا معًا إلى ضوء الطريق، ويكاد كل منا يكتم غيظه»، وبهذه البيعة يكون الأخ قد دخل إلى دهاليز معتمة ليس لها قرار. والآن لنقرأ من كتاب من كتب الماسونية التى كُتبت بيد أعضاء هذا التنظيم العالمى، خذ مثلًا كتاب «الأسطورة الماسونية» للكاتب الأمريكى «جى كينى» الذى يحكى عن تجربته مع المحفل الماسونى شيئًا شبيهًا بالذى كان يحدث فى النظام الخاص، ساعتئذ ستصاب بالدهشة من هذا التطابق المذهل، أهكذا بلا ترتيب وبتصاريف الله يكون الشكل واحدًا، وكأنهما توأم افترقا منذ الولادة واجتمعا الآن، أحدهما فى أمريكا والآخر فى مصر!يقول الماسونى جى كينى عندما ذهب يبايع ويلتحق بالمحفل الماسونى: «عندما حضرت إليهم وضعونى فى غرفة تحضير، ومن ثم أعطونى عصبة للعينين، ويتم إجراء الالتزام أو (القـَسَم) عند مذبح فى منتصف غرفة المحفل، وهو ببساطة مجرد طاولة موضوع عليها الإنجيل أو أى كتاب مقدس آخر يؤمن به الشخص، وبعد طقس الدخول يلقى عليك رئيس المحفل محاضرة حول تاريخ المجموعة ورموزها، التى يكون قد حفظها حرفيًا، ثم يقوم الأخ بالقسم- أى البيعة- ويخلى الماسونية من دمه فى حالة الخيانة وإفشاء الأسرار». وحين تستزيد من القراءة ستقع فى فخ «الألغاز» وستقرأ عن درجات أعضاء الماسون وهى «أخ مبتدئ، وأخ زميل من أهل الصنعة، وأخ خبير»، وستجد أن فى الإخوان مثلًا هذه الدرجات «أخ مبتدئ أو منتسب، وأخ عامل، وأخ مجاهد».ثم ستقرأ عن أعلى درجات الماسونية وهى «الأستاذية»، وستعلم أن حسن البنا استخدم هذه الكلمة للدلالة على أعلى درجة يريدها لتنظيم الإخوان هى درجة «الأستاذية» للعالم، ولم تكن هذه الكلمة مستخدمة فى تاريخ المسلمين قبل ذلك فى هذا السياق! وبعد أن تقرأ كل هذا، قل لى هل من صلة بين أخوية الإخوان وأخوية الماسون؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق