مصر

فى يوم «وفاء النيل».. مصر هبة المصريين

نحتاج لمشاركة حقيقية من جميع الأفراد للحفاظ على النهر فى ظل الهجمة الشرسة عليهنصوص الدستور تحظر الإضرار بالبيئة النهرية ويجب إزالة كل التعديات الواقعة عليه فورًا

لم يكن اهتمامى وحرصى الشديد على المشاركة، كل عام، فى الاحتفال الذى تنظمه جمعية صوت النيل بيوم «وفاء النيل» مصدره كونى رئيسًا لمجلس إدارة هذه الجمعية وحسب، وإنما هو شعور نابع من داخلى، حيث إننى من مواليد نهر النيل، أى شارع المحطة الذى يتعامد مع البحر الأعظم بالجيزة، وبالتالى فقد كانت طفولتى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بهذا النهر العظيم، الذى هو فى حقيقة الأمر يمثل أحد أنهار الجنة، الذى ذكر فى القرآن الكريم، وتناوله بشكل واضح وصريح المؤرخون فى كتب الأقدمين.والحق يقال إننى لست مع المقولة التى يرددها البعض، نقلًا عن المؤرخ الشهير هيرودوت، بأن «مصر هبة النيل»، وذلك لأننى على قناعة تامة بأن «مصر هبة المصريين»، فالنيل يمر بدول كثيرة فى حوض النيل، ومصر والمصريون أمة استطاعت أن تحقق ذاتها منذ بداية التاريخ، ونهر النيل كرمه المولى، جل شأنه، كما فضل أيامًا وأماكن على بعضها البعض، حتى إن هناك أماكن من كثرة تعظيمها أقسم الله بها، وفى هذا الصدد قال تعالى فى كتابه الكريم: «وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِى أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ. فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ. أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ».وهنا ينبغى علينا أن نضع فى الاعتبار مسألة فى غاية الأهمية، وهى أن الله حينما يقسم فإنه يقسم بعزيز- تفضيل الأماكن على بعضها والأيام على بعضها وتفضيل أنهار عن أنهار وتفضيل المخلوقات على بعضها- والماء هو أصل الحياة، تصديقًا لقوله تعالى: «وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَىءٍ حَىٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ». إن الله، عز وجل، أراد أن يجعل ملكه وعرشه على الماء، والماء أصل الحياة للنبات والحيوان والإنسان، هو العنصر الحاكم فى المنظومة الحياتية لجميع المخلوقات.ونهر النيل هو أطول نهر فى العالم، حيث يبلغ طوله حوالى ٦٨٥٣ كيلومترًا، إلا أنّ طوله الدقيق ما زال غير مُحدّد، وهو يتدفّق فى شرق إفريقيا عبر المناخ الاستوائى شمالًا وفى البحر المتوسط، ويمر عبر إحدى عشرَة دولة، هى: تنزانيا ورواندا وبوروندى وأوغندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإريتريا وكينيا وإثيوبيا وجنوب السودان والسودان ومصر.وكان العثور على منبع نهر النيل موضوعًا رئيسيًا للبحث فى القرن التاسع عشر، ويوجد فى نهر النيل رافدان رئيسيان، هما: النيل الأزرق، الذى ينبع من بحيرة تانا فى إثيوبيا، والنيل الأبيض.ومن الصعب العثور على مصدره، حيث يُشار عادةً إلى بُحيرة فيكتوريا كمنبع له، ولكنّ بحيرة فيكتوريا تمتلك العديد من الروافد، وتعتبر غابة نيونجوى المطيرة فى رواندا أبعد روافد بحيرة فيكتوريا، وبالتالى أبعد روافد نهر النيل.ويمتاز نهر النيل بأنه عكس الأنهار الأخرى، حيث يتدفق إلى اتجاه الشمال، ويفيض فى الوقت الذى تكون فيه الحرارة أعلى ما يكون فى السنة، وهذا بمثابة لغز لم يحله المصريون القدماء واليونانيون، ويلعب النيل دورًا كبيرًا فى الحياة فى مصر، وذلك لأنّ مُعظم سكان البلاد يقيمون على ضفافه، وتُعتبر الخرطوم وأسوان والقاهرة والجيزة والأقصر من أشهر المدن الواقعة على ضفافه.كما تدعم منظمة حوض نهر «كاجيرا»- أحد منابع نهر النيل- القطاع الزراعى للمناطق التى يمرّ بها، حيث إنّه يزوّد مساحات كبيرة من الأراضى الإفريقية بالماء اللازم، والتى كانت ستتحول إلى أراضٍ صحراوية قاحلة لولا هذه المياه، ويدعم حوض نهر «كاجيرا» نفسه نحو ١٤ مليون شخص، كما يمكن نقل البضائع على طول نهر النيل، ما يساعد الناس على تجنب مساحات معزولة من الصحارى كطرق بديلة وحيدة عنه للوصول إلى وجهاتهم، كما تستفيد بلدان أخرى فى إفريقيا، مثل: رواندا وبوروندى والسودان وأوغندا وتنزانيا، من حوض نهر كاجيرا، من حيث اعتماد شعبها على الزراعة والنقل وأنشطة الصيد المُرتبطة بمياه النهر.كما أن نهر النيل على وجه الخصوص تحدث عنه الكثير من الشعراء، وكان مصدر إلهام لهم فى كثير من القصائد حتى جاء سيدنا عمر بن الخطاب، حينما قالوا له فى كل عام يتم إهداء عروس النهر حتى ﻻ يحدث فيضان، وهنا كتب سيدنا عمر بن الخطاب إلى نهر النيل رسالة ورماها فى النهر، قائلًا: «إن كنت تسير بأمر الله فسر على بركة الله»، ودار بينهما حوار فى خطاب كأن نهر النيل يسمع ويرى ويتكلم.لذا فإننى أرى ونحن نحتفى بيوم وفاء نهر النيل ضرورة أن نتوجه إلى الله، جل شأنه، ونسأله من فضله أن تكون ثقافة الحفاظ على نهر النيل ثقافة للمجتمع، فى وقت تلوث فيه النهر الذى أصبح يئن ويشتكى من كثرة ظلم الناس له فى عالم يموج بمشاكل كثيرة، أخطرها ندرة المياه مع تزايد عدد السكان فى وقت قلة المياه العذبة، وهنا تكمن أهمية أن يكون الجزء الأكبر من أهداف جمعية «صوت النيل» هو مواجهة الإفراط فى استهلاك المياه والدعوة إلى الرشد والترشيد، فإذا كان الرشد ثقافة فالترشيد سلوك فى استخدام المياه والمحافظة على نهر النيل العظيم وما تبقى منه فى ظل المؤامرات التى تحاك ضده.ولم تعد ثقافة ترشيد المياه والحفاظ عليها مجرد شعارات جوفاء، وإنما أصبحت بحق ضرورة ملحة، وعلى الجميع فى هذا الصدد الاقتداء بالرسول، صلى الله عليه وسلم، وهو يدعو لترشيد المياه فى حديثه الشريف: «أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شىء؟، قالوا: لا يبقى من درنه شىء، قال: فذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا»، فيما معناه: لو كان أحدكم أمام نهر فعليه اﻻقتصار فى الاستهلاك.وفى إشارة واضحة لضرورة الترشيد فى استهلاك المياه هناك قاعدة دينية تقول: «لا تسرف فى الماء ولو كنت على نهر جارٍ»، وفى هذا القول دعوة صريحة للترشيد فى استهلاك المياه حتى ولو كنا نغترف من مياه نهر جارٍ. أما اﻻعتداء على نهر النيل فهو بحق يمثل جريمة ﻻ تغتفر ولا تعادلها أى جريمة أخرى، فقد اعتبره المصريون القدماء بمثابة قدس الأقداس، وكانوا ينظرون إلى الشخص الذى يلوثه على أنه آثم ارتكب جريمة ﻻ تغتفر.. وفى نفس السياق وصل الأمر إلى أنه كان من بين مسوغات التعيين فى شغل وظيفة عامة أن يُقسِم الشخص بأنه لم يلوث نهر النيل وحريص كل الحرص على حمايته والحفاظ عليه، وهو ما دفع جمعية «صوت النيل» لأن تحرص سنويًا على تقديم جوائزها، التى تمنحها لكل من يحافظ على نهر النيل من التلوث وترشيد مياه الشرب، سواء من خلال تقديم أعمال أدبية أو علمية أو ثقافية أو طرق عملية لتوجيه المزارعين بالطرق الصحيحة لترشيد المياه، خاصة فى زراعة الأرز، التى هى كثيفة فى استهلاك المياه، وذلك انطلاقًا من قناعة تامة بأن المياه هى سر الحياة ويجب المحافظة عليها، فقد قال تعالى فى كتابه الكريم: «وجعلنا من الماء كل شىء حى»، منها خلق الإنسان والحيوان والنبات.وقال تعالى: «فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»، وللماء أهمية لوسيلة انتقال التجارة، وجاء ذلك فى قوله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِه».وبعيدًا عن كل ما تناولته من قبل.. علينا أن نكون صرحاء مع أنفسنا ونتساءل: مَنْ منا يمكنه أن يقف أمام الله، عز وجل، ويقر بأنه لم يلوث مياه النيل مثلما كان يفعل الفراعنة منذ آلاف السنين، حسب معتقداتهم الدينية؟، ومَنْ منا لم يشارك فى تعكير صفو النهر الخالد، ولو بمجرد إغماض العين عن تلك الجرائم التى ظلت تحدث «على مرأى من الجميع» ضد هذا الشريان المهم لحياة المصريين، وهى تغتال واهب الحياة وتضربه فى مقتل دون أن يحرك ذلك لنا ساكنًا؟.أعتقد أن الإجابات ستكون صادمة، فالجميع فى تقديرى مسئولون عن هذه الحالة التى وصل إليها نهر النيل، والتى لا تسر أحدًا، الأمر الذى يجعلنى أرى ضرورة أن تكون هناك صحوة مجتمعية، وتكون لدينا رغبة حقيقية لإنقاذ ما يمكن إنقاده لإعادة الهيبة للنهر الخالد، من خلال إشراك جميع فئات المجتمع، وإلزام جميع مؤسسات الدولة بأن تقوم كل جهة بواجبها فى حماية النهر، كلٌ حسب إمكانياته، وكلٌ حسب قدراته، لتحقيق هدف واحد وهو حماية النهر وإعادته إلى سابق عهده نظيفًا تستمد منه مصر قوتها وقدرتها على الاستمرار، وذلك من خلال تفعيل مواد الدستور التى تؤكد التزام الدولة بحماية نهر النيل والحفاظ على حقوق مصر التاريخية المتعلقة به، وترشيد استخدامه وتعظيم الاستفادة منه، وعدم إهدار مياهه أو تلويثها.وعلى الرغم من ذلك، فإننى كنت وما زلت أرى ضرورة وجود مشاركة مجتمعية حقيقية من جميع أفراد المجتمع، خاصة وسط هذا الانفلات الأخلاقى، الذى أصبحنا نراه فى كل مكان، وفى ظل هذه الهجمة الشرسة، التى يتعرض لها نهر النيل، صباح مساء، كما أن الدستور قد أكد أيضًا حق المواطنين فى التمتع بنهر النيل، وحظر التعدى على حرمه أو الإضرار بالبيئة النهرية، وهو ما يضع على عاتق الدولة مهمة إزالة جميع التعديات الواقعة عليه.وهذا فى نظرى يتطلب ضرورة تنفيذ إجراءات أكثر جدية لملاحقة مخالفات التعديات على النيل، وتغليظ العقوبات تجاه المخالفين، فى ضوء التنسيق مع كل الأجهزة المعنية بالدولة.وعلى الرغم من ذلك فإننى ما زلت أرى أن الدولة بمفردها لن تنجح فى تحقيق الأهداف المرجوة من أى حملة قومية، مهما كانت درجة الاستعداد لها، فلا بد من تكاتف الجميع، حيث أرى أهمية التعاون مع وزارة الأوقاف، وذلك بأن يقوم أئمة المساجد والدعاة بالتوعية بقضايا المياه، بعيدًا عن القوانين والعقوبات، وأهمية هذه الخطوة فى نظرى تكمن فى أن الشعب المصرى يستمع دائمًا لرجال الدين ويأخذ كلامهم من باب التقرب إلى الله، وهذه مسألة محسومة وغير قابلة للنقاش.كما أن تغليظ العقوبة على من يعتدى على النيل بات أمرًا لا مفر منه لتصويب الأوضاع المقلوبة، وإعادة الاعتبار إلى نهر النيل، والاقتداء بما كان يحظى به من تقدير منذ عصر الفراعنة، فقد أدرك المصريون القدماء أهمية نهر النيل فى جميع شئون حياتهم، بل إن النيل والشمس هما اللذان أوحيا لهم بعقيدة البعث والخلود، التى كانت أحد الأركان الأساسية فى حياتهم، حيث إن النيل يرتفع ثم يُغرق الأرض فتخضرّ النباتات وتعم الخصوبة وتحيا الأرض بعد مواتها، ومن هنا كانت فكرة البعث والخلود. من أجل كل ذلك قدس المصريون القدماء النيل، وقدسوا فيضانه، الذى أطلقوا عليه «حعبى» أو «حابى».وحفاظًا على استمرارية فيضان النيل «حعبى»، وحتى يفيض كل عام ولا يحدث الجدب والجفاف، كان المصريون القدماء يقيمون له الاحتفالات ويقدمون له القرابين من تماثيل ذهبية يلقونها فى النهر وخلافه، ويغنون له الأغانى، ويؤلفون له القصائد والأناشيد، وذلك عرفانًا منهم بجميل صنعه.. ومن هنا أيضًا حافظ القدماء على طهارة النيل من التلوث، واعتبروا تلويثه جريمة يدخل مرتكبها النار بسببها فى العالم الآخر، وقد أقام المصريون القدماء مقاييس النيل منذ فجر تاريخهم ليقيسوا بها كمية الفيضان، وعلى أساسها يعرفون كمية الزراعات التى ستكون، ويقدّرون على أساس ذلك الضرائب على الفلاحين.وقد ارتبط بعيد وفاء النيل قصة «عروس النيل»، حيث يُروَى أن نهر النيل كان أيام الفراعنة يقدم له فى عيد وفائه فتاة جميلة يتم اختيارها، وذكرت المراجع العربية أنه كان يتم إرضاء والدىّ الفتاة، وكان يتم تزيينها ويلقونها فى النيل كل عام قربانًا لضمان وفائه بالفيضان.وقبل أن أختم، أود أن أوجه كلمة شكر لوزارتى الرى والبيئة على الجهود الكبيرة التى تقومان بها من أجل الحفاظ على هذا النهر العظيم، وكلمة شكر وتقدير لوزارة الداخلية بصفة عامة، والمسطحات المائية بصفة خاصة، لدورهما الرائد فى حماية النهر العظيم وإزالة التعديات والمخالفات التى ترتكب فى حقه، والله أسأل أن يحفظ نيلنا العظيم ومصرنا الحبيبة واحة للأمان والسلام والنماء والتقدم والرقى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق