مصر

“الصعلوك الأبدى”.. أسرار جديدة من حياة أحمد رجب

– مصطفى وعلى أمين منعا ارتباطه بـ«تحية كاريوكا» وحبه لـ«شادية» شائعة- امتنع عن تشجيع الزمالك بسبب «الخذلان» وولاؤه الكروى كان للمنتخب الوطنى فقط

فى تاريخ الصحافة يبقى الكاتب الكبير أحمد رجب شجرة عظيمة الإبداع والإمتاع، عطرها باقٍ مهما انقضت الأيام أو طالت السنوات، فصاحب « كلمة» فكرة لا تقهرها حسابات الزمان ولا تخضع لحدود المكان. خلال مسيرته الثرية فى بلاط «صاحبة الجلالة»، كتب «رجب» عن الجميع وللجميع، لكنه لم يقل عن نفسه إلا القليل جدًا، فحياته الخاصة بكواليسها وكوابيسها كانت أشبه بقرى مُحصنة ترفع أسوارها رايات «ممنوع الاقتراب أو التصوير». قليلون فقط من أتُيح لهم عبور تلك الأسوار التى تُخفى وراءها الكثير من المجهول، وما أدراك ما المجهول فى حياة ذلك الساخر الكبير، ومن بينهم الكاتب الصحفى الشاب محمد توفيق، الذى نجح فى أن ينقل بعضًا من تلك الأسرار فى كتابه «ضحكة مصر»، الذى رصد من خلاله قطوفًا لمشاهد من حياة رجل بار بأهله وقلمه ووطنه. عن الجانب الآخر من حياة المبدع الكبير أحمد رجب، يدور حوار «الدستور» مع «توفيق»، الذى يقدم زيارة جديدة لتاريخ الشخصية العظيمة بسرد أحسن القصص التى لم يكتب لها الظهور من قبل، فى ذكرى رحيله، يوم ١٢ سبتمبر ٢٠١٤.

رفض عرضًا مغريًا من «الجزيرة» لإصدار فيلم عن مسيرته

بدأت معرفة «توفيق» بأحمد رجب عقب صدور كتاب الأول «مصر بتلعب». فوقتها استضافه أحد البرامج التليفزيونية، وأثناء الحلقة سُئل: «متى ستصدر كتابك القادم؟» فأجاب: «لدىّ مشروع أعمل عليه منذ ٣ سنوات.. لكنه لن يخرج للنور إلا بعد موافقة بطل الحكاية».وعندما استفسر مقدم البرنامج عن هذه الشخصية، أجابه «توفيق»: «الكتاب يتناول رحلة الساخر الكبير أحمد رجب مع صاحبة الجلالة».بعد انتهاء الحلقة، فوجئ «توفيق» بصاحب « كلمة» يهاتفه، فى واحدة من أسعد وأمتع لحظات حياته التى لا ينساها ولا يمكن أن ينساها.يحكى «توفيق»: «خلال المكالمة دعانى الكاتب الكبير لزيارته فى مكتبه بـ(أخبار اليوم)، وحدد لى الموعد ورتب لى اللقاء، وعندما ذهبت فى الموعد المحدد مسبقًا، وبمجرد أن وطأت قدماى مبنى الجريدة انتابتنى حالة من الرهبة الشديدة، لم أعهدها من قبل، لم يُذهب روعها عنى غير استقباله الدافئ ومقابلته الحميمية، فقد وجدت أمامى رجلًا قمة فى التواضع وغاية فى الجمال، وصاحب ذوق رفيع ورقيق تتجلى فى طريقة إعداده وترتيبه مكتبه».بعد استقبال «رجب» لـ«توفيق»، عرض الأخير عليه فكرته وحلمه الصحفى المشتعل فى إخراج كتاب عنه، فوجده بكل تواضع يقول: «تعمل عنى كتاب ليه.. أنا لا أستحق، يوجد كثيرون أفضل وأحق منى بذلك»، فرد عليه قائلًا: «أنت تستحق ١٠ كتب وليس كتابًا واحدًا». «بإجابته السابقة، نسج رجب أمامى جزءًا كبيرًا من ملامح شخصيته الساحرة، فأول مرة أقول إنه كان شخصًا شديد الخجل، ولا أبالغ حين أقول إن الخجل كان يخجل من خجله، لكنه فى الوقت ذاته كان يرفض أن يعترف ويقر بهذه الحقيقة عن نفسه، كما اكتشفت زيف المقولة الرائجة آنذاك، التى كانت تلاحقه بأنه (رجل ينتج الضحك ولا يستهلكه)، فعلى العكس تمامًا، وجدت أمامى شخصية قادرة على انتزاع الضحك ورسم الابتسامة على وجه أى إنسان كان».. يقول «توفيق».ويضيف: «فى اللحظة التى كنت أتحاور معه فيها داخل مكتبه، كانت دوافعه للرفض أكثر من مبرراته نحو القبول، فحينها كانت لديه عشرات العروض من الصحف المصرية والعربية إما لإجراء حوارات معها أو الكتابة فيها، بجانب القنوات الفضائية التى كانت تطرق بابه للتسجيل معها صباح مساء، عارضين عليه دفع المبالغ التى يطلبها والأرقام التى يحددها، لكن الرفض كان شعاره».وروى لـ«توفيق» لاحقًا، أنه فى بدايات ظهور قناة «الجزيرة» جاءه عرض منها بإنتاج فيلم وثائقى عن مسيرته، وعرضت عليه دفع أى مبلغ من المال يطلبه، لكنه أبى الظهور، وخلال أكثر من نصف قرن فى بلاط صاحبة الجلالة لم يظهر «رجب» على الشاشة إلا مرة وحيدة بحضرة الإعلامى الراحل طارق حبيب، وكان ثالثهما الأديب فكرى أباظة فى برنامج «اثنين على الهواء». ويستكمل «توفيق» كلامه: «بينما أحاول إقناعه ونتجاذب أطراف الحديث سويًا، إذا بالكاتبة الكبيرة صفية مصطفى أمين تدخل علينا المكتب وتستمع لحديثنا وتنحاز لرأيى، وبدأت فى الضغط عليه لأجل القبول فاستجاب لها، ولأبدأ أنا من حينها فى تنفيذ ذلك الحلم المؤجل».بعدما ظهر الكتاب للنور أخذ منحنى العلاقة بين «رجب» و«توفيق» الاتجاه التصاعدى. فقد توثقت الصلات وبدأ «توفيق» فى التردد على منزله وزيارته بانتظام، لتتاح أمامه فرصة اكتشاف الجوانب الخفية من عوالم هذه الشخصية الساحرة والمثيرة.يقول «توفيق»: «دائمًا ما كنا نتبادل الحديث فى السياسة والرياضة والثقافة والفن، وفى إحدى المرات اعترف لى بتشجيعه للزمالك فى مرحلة ما، وأنه انقلب على زملكاويته بعدما خذله الفريق الأبيض فى إحدى المرات، وعندها قرر أن يكون ولاؤه للمنتخب القومى فقط».

هاجم هيكل دفاعًا عن على أمين: «كان عايش فى بيته»

فى عام ١٩٦٨، دعا الكاتب الكبير على أمين تلميذه أحمد رجب إلى مكتبه، وألقى إليه بمجموعة من المقالات، وطلب منه اختصارها فى بعض كلمات لا تتجاوز بأى حال بضعة سطور، وعلل السبب فى ذلك بظهور وسائل عصرية مثل الراديو والتليفزيون أصبحت تنافس الصحافة على تقديم الخبر للجمهور، وهو ما وضع القارئ فى مكانة تجعله غير متقبل أو مستعد لقراءة آلاف الكلمات سواء كانت فى صيغة مقال أو أى من الفنون الصحفية الأخرى مثل التحقيق أو التقرير.من المحادثة التى جرت وقائعها بين «أمين» و«رجب»، ابتكر الأخير فكرة « كلمة» التى ظل يقدمها للقارئ المصرى والعربى خلال نصف قرن تقريبًا.لكن إذا كان على أمين هو من ألهمه الفكرة التى صاغت الجزء الأكبر من شهرته، فالمؤكد أن له آباء آخرين أسهموا كذلك فى صناعة «ظاهرة أحمد رجب».. يقول عنهم «توفيق»: «كل الأشخاص الذين شاهدوا الصورة من الخارج، ارتسم المشهد النهائى فى مخيلتهم بأن مصطفى أمين هو أقرب إنسان إلى نفس أحمد رجب، ورغم أنه كان يحتل مكانة خاصة واستثنائية فى قلبه، لكنه كان أسيرًا بالحب ومدينًا بالعرفان إلى على أمين».فذات يوم هاجم فى « كلمة» الأستاذ محمد حسنين هيكل بشدة، فى موضوع أشعل نهار القاهرة ولم يقعد ليلها آنذاك. مساء هذا اليوم جمعه لقاء بـ«توفيق» فسأله عن الدوافع التى حركته للكتابة فى ذلك الموضوع فأجاب: «هيكل عندما يظهر فى التليفزيون دائمًا ما يردد فى حديثه جملة (على أمين اللى كان بـيعتبر نفسه أستاذى)، وهو بالفعل أستاذه، وليس مقبولًا بعد تلك السنوات أن يُنكر تلك الحقيقة، فقد أقمنا سنوات فى بيته، وكنا نذهب سويًا لشراء الخضار له من السوق، وبالتالى لا يمكن أن أشاهده يدهس الحقيقة وينزل بقدر وقيمة على أمين ولا أتكلم، فهذا الرجل بالنسبة لى أبًا وأعتبر نفسى أحد أبنائه».وفى مساحة العلاقات الإنسانية لا بد أن يأتى الحديث على نصفه الآخر مصطفى حسين، يقول «توفيق»: «بالرغم من أن أنيس منصور كان من أشد المقربين لأحمد رجب، يبقى مصطفى حسين فى مكانة ومنزلة لا ينازعه فيها أى إنسان آخر. فالعلاقة بينهما على الصعيد الإنسانى والعملى كانت حالة نادرة التكرار والحدوث، وعندما حدث الخلاف بينهما، وبالرغم من حدته، كان لديهما من اليقين بأن الموضوع عبارة عن «غُمة وستزول».ويكشف «توفيق» عن أن «حسين» اعترف فى لقاء معه بخطئه فى حق «رجب»، ووصفه بأنه أجدع وأنبل منه، ويعتبر أن من الأسباب التى عجلت برحيل صاحب « كلمة» كان علمه بنبأ وفاة صديق عمره. ويتابع: لم ينحز صاحب كلمة لأحد فى حياته بالمحبة مثلما انحاز لمصطفى حسين، ولمسقط رأسه الإسكندرية. فعشقه لتلك المدينة كان حديث الصباح والمساء الذى لا يمل من إظهاره وتكراره. فالسفر إليها بصورة منتظمة كان جزءًا من حياته، لدرجة دفعت الكاتب الكبير محمود السعدنى لأن يكتب له أثناء إهدائه أحد كتبه قائلًا: من الكاتب الساخر إلى الإسكندرانى الساخر «استبدل السين بحرف الشين».

السادات رفض رئاسته تحرير «أخبار اليوم» وقال: «مابيسمعش الكلام»

عاش الساخر الأعظم فترة صعود تنظيم «الإخوان» للحكم فى مصر، وسيطرتهم على مفاصل مؤسسة «أخبار اليوم»، وقتها حاولوا قصف قلمه وفرض الحصار على كلماته، لكنه بعزيمة المقاتل اختار الصمود والمواجهة، وفى نهاية الصدام رحلت الجماعة وبقى أحمد رجب.يقول «توفيق»: «رجب فى المطلق كان ضد الإخوان ومن يمثلهم، وكان حاسمًا لأمره تجاه هذا التنظيم مبكرًا، وعندما وصلت الأمور للاختيار بين كل من مرسى وشفيق دعا إلى انتخاب الأخير، وكتب ذلك بوضوح ودون تردد، ومنطقه فى ذلك عائد إلى أن الجماعة لديها مشروع وأهداف أكبر من مصر، بجانب رفضه فكرة خلط الدين بالسياسة فى مجتمع متنوع مثل الشعب المصرى، وعندما اشتدت عليه الضغوط من جهتهم، لم يهتز أبدًا أمام تهديداتهم، فهو لم يكن يراهم إلا مجرد جملة اعتراضية فى تاريخ هذا الوطن».فى هذه الفترة انهالت، كما العادة، عروض الكتابة على أحمد رجب فى معظم الصحف المصرية والعربية، وكان من السهل جدًا أن يستأذن فى الانصراف والرحيل عن «أخبار اليوم»، لكنه كان يعتبر نفسه شريكًا فيها وليس مجرد كاتب. وللعلم عندما أسس التوأم «أمين» الجريدة، كتب «مصطفى» وثيقة بأسماء الشركاء المساهمين، ووضع اسم «رجب» من ضمن العشرة المؤسسين، بجانب أم كلثوم ومحمد التابعى وحسنين هيكل وآخرين.وهناك قصة طلب «رجب» من «توفيق» حذفها من كتابه الصادر عنه، لكن توفيق «يعتقد أنه قد حان الوقت لسردها».. وقائع القصة تعود إلى ما قبل ثورة يناير. ففى إحدى المرات تدخل رئيس تحرير «أخبار اليوم» وحذف إحدى الكلمات التى كتبها فى التعليق على كاريكاتير مصطفى حسين، حينها منعه «رجب» من دخول مكتبه.تدخل الرئيس الأسبق حسنى مبارك ومن بعده رئيس وزرائه للصلح بين الطرفين، فرفض بشدة قبول اعتذار هذا الشخص وقال: «أنا من يختار خصومه.. ولن أسمح لأى أحد بأن يقول فى يوم ما إنه كان خصمًا لأحمد رجب».رغم عبقريته الصحفية التى تؤهله للوصول إلى أعلى المناصب فى دنيا الصحافة، لم يكتب له أن يشغل منصب رئيس التحرير، فقد منعه فرمان «السادات» من رئاسة تحرير «أخبار اليوم» حين عرض عليه مصطفى أمين الأمر، ورد «السادات» وقتها بأنه «مابيسمعش الكلام»، يقصد «رجب»، وفى الوقت نفسه لم يكن مستعدًا لأن يتم استنزافه إداريًا عن طريق هذا المنصب، فهو كان محبًا لتفاصيل صنعة الصحافة ولم يكن يرغب فى أن يشغله عن حبه وعشقه لها شىء آخر.لم تسلم الحياة الشخصية لصاحب « كلمة» من الأذى. ففى وقت ما انطلقت إشاعة تؤكد وجود علاقة عاطفية تجمعه بالفنانة الراحلة شادية، فما كان منه إلا أن كتب مقالًا بعنوان: «أنا جوز شادية» يسخر فيه من كل ما قيل ومن بعض ما كتب.يفجر «توفيق» مفاجأة حين يقول إنه بالفعل جمعت علاقة عاطفية بين أحمد رجب وإحدى الفنانات، وهذه الفنانة تحديدًا كانت تحية كاريوكا، التى كان على وشك الارتباط بها. يوضح: «عندما هَم بالزواج منها، وقف له على ومصطفى أمين بالمرصاد ومنعاه، وحجزا له تذكرة سفر لأوروبا، وطلبا منه ألا يعود إلا عندما يتأكد بأن مشاعره تجاهها ماتت، وهو ما حدث».ويضيف: «عندما عاد للقاهرة تعرف على شريكة عمره التى ارتبط بها، وعندما رحلت فى أوائل التسعينيات رفض الزواج من غيرها، حيث عاش وفيًا لذكراها، وكان حريصًا على أن يُهدى لها كل كتبه التى ألفها فيما بعد».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق